أحمد بن محمد مسكويه الرازي
413
تجارب الأمم
ولم يزل به حتّى سكن ورجع فهدأ الناس . وفى هذه السنة أسّست مدينة بغداد وهي التي تدعى مدينة المنصور . ذكر السبب في بناء أبى جعفر بغداذ لمّا ثارت الرونديّة بأبى جعفر في مدينته التي تسمّى الهاشميّة التي بناها إلى جنب الكوفة والمدينة التي سمّاها الرّصافة ، كره سكانها ولم يأمن أهلها ، فأراد أن يبعد ، فتردّد بين الموصل وجرجرايا ، واختار موضع بغداذ ، وقال : هذا موضع معسكر صالح ، هذه دجلة ، ليس بيننا وبين الصين شيء [ 433 ] يأتينا فيها كلّ ما في البحر وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك [ 1 ] ، فنزل وضرب عسكره على الصراة وخطَّ المدينة ، ووكّل بكلّ ربع قائدا . وكان الناس أشاروا عليه بموضع قريب من بارمّا ، وذكروا له عنه غذاء وطيبا فخرج إليه بنفسه حتى نظر إليه وبات فيه فرآه موضعا طيبا . فدعا جماعة من أصحابه وقال لهم : - « ما رأيكم في هذا الموضع ؟ » فقالوا : « ما رأينا مثله ، وهو طيب صالح موافق . » فقال : « صدقتم ، هو كذا ولكنّه لا يحمل الجند والناس والجماعات ، وإنّما أريد موضعا يرتفق به الناس ويوافقهم مع موافقته لي ، ولا تغلو [ 2 ] عليهم الأسعار ، فإنّى إن أقمت في موضع لا يجلب إليه في البرّ والبحر غلت الأسعار وقلَّت المادّة ، فاشتدّت المؤونة وشقّ ذلك على الناس . » ثم عاد إلى موضع بغداذ ، وأحضر جماعة من سكان القرى التي حواليها و
--> [ 1 ] . هنا زيادة في مط كالآتى : وهذا الفرات يجيء فيه كلّ شيء بالشام والرقّة وما حول ذلك . [ 2 ] . في الأصل : لا تغلوا .